أهم الأخبار : :

صحفي / عادل الحلبي الثلاثاء | 4/08/2014 10:31:00 ص

عادل الحلبي يكتب: لحظات في السكرات 

بقلم – عادل الحلبي 
عزيزي القارئ: هذه تذكرة لنفسي الغافلة وإياك .. عسى أن يهتدي بها أحدُنا فينجو من لحظات الوعيد والكرب الشديد .. فما أشد وقعاً وألماً وفزعاً على النفس من لحظات السكرَات ففيها من الأهوال مايشيب له الولدان وماتخِر له الجبال .. إنها آخر عهدك بالدنيا .. لحظات يسجلها الأهل والخلان ولن تفارق الأذهان .. سبحان من سلب منك القوة والعز والجاه والسلطان .. وأمهلك بضع ثوان .. تلهج فيها بما حرصت عليه في عمرك .. ثم ينتهي منك أمرك .. وتُسل منك الروح كضرب السيف على الرقاب .. لتعود من حيث أتيت من التراب وإلى التراب .. اللهم سلم سلم يارب. 

بادر يارعاك الله من الأن الأن بالتخلص من ملفاتك القديمة ومتعلقاتك السرية قبل أن يداهمك موعدك، وتأتيك السَكرات فتعجز ولم تقوى على رفع سُبابة يدك، وأعلم أن أسرارك ستبقى ذكرى سيئة من بعدك .. سيرثها خاصتك وأهلك .. وستبقى في أعينهم غير الذي عرفوه .. سيسقط هيبتك ووقارك .. يا أيها الغريب .. يامن ترتدي قناع الزيف والخداع .. اليوم حياة وفرح ومرح، وغداً القريب يوم وداع .. سنرحل حتماً عن ديارنا .. فلتكن لنا بصمة وسيرة جميلة ولنتحل بأجمل صورة .. فإناّ والله لأحوج مانكون إلى دعوة طيبة برحمة أو غُفرانٍ خير لنا من أن يغرُب عنا الأهل بوجوههم .. اللهم سامحنا فيما مضى وأغفر زلاتنا واستر عوراتنا يارب. 

اعمل طيباً يارعاك الله ليرى غيرك وجهك وأنت في السكرات بشوشاً .. فو الله الذي لا إله إلا هو إن عملك في حياتك سيُعرض عليك وحدك، ومن عِظَمِه وهوله سيكفهر وجهك، وأنت شاخص أمامه تتصبب عرقاً وحسرة وسيراه غيرك وقت احتضارك .. فلا تكن والعياذ بالله مُسود الوجه كظيم .. انهض يارعاك الله بالتوبة وانأي بنفسك مما في خزينتك .. تخلص من متعلقاتك في حياتك التي ستفضحك بعد مماتك .. وأعلم أن اليوم فرصتك الأخيرة .. فالموت لن يطرق بابك ولن يستأذنك .. الموت سيداهمك بغتة وتترك خلف ظهرك ذكراك ومازرعت يداك لتكون شاهدة لك أو عليك. 

ياحسرة على العِباد .. نُؤمنُ بالموت ولا نُعِد له عُدته .. فهل بلغ بنا منابع الأمل أن نستهين بسوء العمل فنراه حسنا أو نحسبه هيناً وهو عند الله عظيم، والله إن الأمر جد خطير .. ستخرج منا الروح مودعة هذا الجسد اللين الطري النَدِي مابين شهقة وتنهيدة ليصير جسداً رِمياً تأكله ماوعت البطن ويتكالب عليه مايقزز النفس فلا تدعه إلا عِظاماً نخره هينة هشة كالعِهنِ المنفوش .. هذا مابقى منا تحت طبقات الثرى حينُ من الدهر .. ثم نصير تُرابا تطأه الأقدام .. ثم لم نكن شيئاً مذكورا .. أما الروح فهي في قبضة الله جل في عُلاه وهو أعلم بها منا سبحانه وتعالى .. فاتق الله ولا تأمن مكرُه .. وأعمل صالحاً ترضاه. 

احذر يارعاك الله من السيئة وما أكثرها في زماننا .. وأعلم يا هذا أنها تنتشر كالنار في الهشيم، وأندم على مابقى لك وأستغفر لذنبك .. ولا تركن إلى توبة تتفوه بها ولا تعيها أو تعمل بها .. فو الله إن الجُرم لفادح وإن الذنب لعظيم .. يارب لُطفك بنا .. ولك الحمد وحدك لا شريك لك أن وهبتنا نعمة العقل لنُدرك هول المصيبة وجُل المعصية بما كسبت أيدينا .. ولك الشكر أن منحتنا فرصة نمحو بها خطايانا وما اُكرِهنا عليه من النفس الأمارة بالسوء .. ولك الكِبرياء في العلياء أن شهدت أنفسنا من أحتضر لنقر بالقضاء والقدر وانك إلينا منا أقرب، ولنشهد أن وعدك الحق لا مفر منه ولا مهرب. 

ليتنا نعي بعين اليقين أننا سنُعرض على لحظةِ فاصلة حين تتمدد على الأسِره الأبدان وتغرُب عنا الدنيا، وتزوغ العينان وتتقطع منا الأنسال والأوصال ويُعرض علينا ماقدمنا من عملِ كطيفِ عابرٍ، وما لأحدِ من مُنجِزٍ ولا مُنقِذٍ، وما لنا من قوة ولا ناصر .. إنها الخاتمة والمنقلب .. وتحضُر ملائكة الله جل في عُلاه وينكشف الغطاء عنا ويتحاجون فينا في لحظاتٍ وتنتهي السكرات وتُقبض الأروح التي كم لعبت ورتعت .. ويتلقونها الموكلون بها على أحد الحالين إما من أصحاب النازعات ثم تُنشط ثم تغرق في النار والعِياذ بالله، وإما من أصحاب السابحات السابقات سبقا .. سبحان من له المَرّد والمصير. 

اللهم لا تأخذنا على غِره، وهوّن علينا الكرب .. ولا تُمِتنا موت الفاجعة، وصَبّر علينا أهلُنا ليحتسبونا عندك .. اللهم لا تجعل للشيطان حظاً علينا .. اللهم أعفُ وسامح ياجميل المغفرة، وبَيض وجوهنا في السكرات وأجعلها ضاحكة مستبشرة .. اللهم عفوك قبل الممات، وأجعل خير أيامنا يوم أن نلقاك وأجعلنا ممن يراك .. اللهم خذ بأيدينا إليك لنتوب، وخذنا إليك مُغسلين من الذنوب .. اللهم إنّا أحبابك مساكين .. أنخنا ركابنا ببابك فاسلم سلم .. وأغننا وجَمِلنا يارب بالتقوى فإن أجسادنا على النار لا تقوى.